حزين عمر
المطرود منك .. آبَ إليك !!
سيرة شعرية
القحطُ الآن يسودُ .. يسودْ
يَسُدُّ منافذَ هذا الكونِ
ويجمعُهُ من أطرافِ عباءتِهِ
يرمي بهْ
من حالق
القحطُ يفورُ ويُرْغى ، يزبدْ
يتشعبُ في أفقِ الله
فلا يُبقى أُفْقَاً ، أو آلهةً
أو حتى شياطينْ !!
القحطُ يمزِّقُ صدري ، حلقي
تتمدَّدُ إصبعُهُ
تنتفُ كلَّ شُعيراتِ الجسمِ
تَسُدُّ جميعَ مَسَامِّ الجسمِ
بشذراتٍ من ليلٍ
لا أوَّلَ فيه ، ولا آخرْ
* * *
ها أنتَ الآنَ وحيداً
في الأرضِ تَدُبُّ
تَدُبُّ على رأسِكَ لَعَناتٌ
تنهالُ جبالُ الرملِ
على رأسِكَ لعناتٍ
يقتحُمكَ فيضٌ من وجعِ الوَحْدَةِ
رجعُ صداهُ يشدُّكَ بمخالبِهِ
يصرخُ فيك :
مطرودٌ ، مطرودٌ ، ملعونْ
لا أرضَ ستحملُ أقدامَكَ
لا رملٌ يستوعبُ خطوَكَ
لا ماءٌ يروي ظمأكَ
لا شهقةَ رُوحٍ تُنْمِى أنفاسَكَ
لا أنتَ الآن ولا شيءَ
سوى اللعناتِ ، الحرمانِ من الجنة
تنحطُّ لأسفل دَرَكٍ
منحوتاً ظلاً في وَهَجِ النار
* * *
مطروداً ، لا حواءَ معكْ
لا أرضَ تُقِلُّكَ ،
لا ظلَّ غمامٍ يفترشُ سماءكَ
لا ريحَ ترفرفُ قُرْبَ رموشِ عيونِكَ
هل بقيتْ فيكَ شكوكٌ وظنونْ
ملعونٌ أجدادُكَ ، أبناؤكَ ، أحفادُكَ
ملعونٌ مَنْ شفتَ وشافَكَ
بعدَ اليوم
ما كنتَ سوى سلة تينٍ شوكيٍّ
باطنُها سُمٌّ وعقاربُ
قذفوكَ
وقذفتْكَ الجنةُ من أطرافِ ملامحِها
لن تغفرَ جنتُكَ خطاياك اليومَ
ولا بعدَ اليوم
ولا حتى قبلَ اليومِ
طينٌ سُفْليٌّ أنتَ
تلوَّثُ أزهارَ الجنةِ
خسئتْ كلُّ خطاياكَ
خسئتَ
لا موتاً مِتَّ
ولا عيشاً تحيا
بل تعذيباً يستشرى أبداً
في كلِّ ثناياك
لا موتاً مِتَّ
ولن تحيا
إلا ملعوناً مطروداً
فاهبطْ
لا غفران ، ولا شفقهْ !!
* * *
’’ الطرودُ ‘‘ التصقَ بروحي ،
بخلاياي كجلدي
هل أقشطُهُ ، أنزعُهُ ، أحرقُهُ ؟!
فوقً الطاقةِ أن أنزعَ ملمحَ جسدي
من جسدي
وأُقلِّم أطرافَ الروحِ
وأبقُرَ بطنَ الوجدانِ
بعودٍ صدئٍ
فلأرجعْ للجنةِ من بابٍ خلفيّ
من كُوَّةِ زمنٍ مسروقٍ أختلسُهْ
ها نحن الآن : الجسدُ ، الروحُ ، اللاوعي
نشبُّ على أطرافِ أصابعنا
نتسلَّلُ للجنةِ
ويكرُّ الزمن الماضي
نشوانَ الآنَ ،
صبيا
أوَّلَ ما اشتبكَ المذنبُ : قلبي
بتلابيب الجنة
كانَ لقاءً بالهاتف
دون طقوسٍ ومواعيدْ
صوتي يقفزُ مني
يلتصقُ بأُذنكِ
يحضنُها ، يرشفُها ، يتسرْبلُها
يتسللُ منها للعقلِ البَضِّ
وقد حوصرَ بالأصداف
شأنَ الجوهرةِ تحاطُ بأخشاب صلدهْ
صوتُكِ يهفو منكِ إلىَّ
رذاذَ موسيقى في أذنيَّ
ترشُّ الوترَ السمعيَّ ،
الوترَ الروحيَّ ،
الوترَ القلبيَّ
فانتظمَ النبضُ على أحرفِ ثغرِكْ
فاتصلَ مع أسماءِ الوصلِ
انقطعَ مع همزةِ قطعٍ
التأمَ مع غُنَّةِ نونْ
رَنَّ مع راءٍ رائعةِ الريحِ
ورائعةِ الملمس
وإذا الأحرفُ والكلماتُ من الهاتفِ
تتشكَّلُ فوقَ الأُذْنِ
أمامَ العين
شفاهاً لخَّصت الأنثى
في ضمةِ شفتينْ
في غَنْجةِ عينْ
ما شفتُكِ حتى الآنْ
لكن شُفْتُ صداكِ على الأكوانْ
زلزلةً في الأفئدةِ الصابئةِ
وتغريداً في أنفاسِ الكروانْ
أغصاناً تورقُ ،
تُثْمِرُ ،
وتعطِّرُ أجنحةَ الآفاق
لا صيفاً وربيعاً
بل بخريفٍ يهربُ منه الجان !!
* * *
كان لقاءً بالهاتفِ دونَ مواعيدٍ وطقوسْ
خيطٌ شُدَّ إليه القلبان
قلبٌ : قلبي ، كان مطاراً سرياً
للأشجانْ
نعيقِ البومِ ، الخفاشِ ، الغربانْ
يؤوى ـ رغماً عنه ـ نهوداً
وثغوراً ، وشعوراً
لا رُوحَ بها
لا كُنْهَ لها
لا سَمْتٌ يلضمُها
لا استحسانَ ، ولا استهجانْ !!
أثداءً مزَّقَها الوجدُ إلى الرفقةِ
والرأفةِ والرِّىِّ
وظلٍ تحت حوائطِ قلبي
المتهاوية الأركانْ
مطاراً ـ أصبح قلبي ـ علنياً
للذةِ والأحزانْ
والقلبُ الآخرُ : قلبكِ
زهرةُ فُلٍّ وقرنفلةٌ
من نورٍ ، ووشيشٍ ، وصفاءٍ ، وحنانْ
ما اقتحمتْهُ ذرةُ عُهْرٍ
ما نطق النبضُ به إلا تقديساً
للعفةِ ، للطهرِ
قلبٌ تبزغُ منه الشمس صباحاً
والقمرُ مساءً
بينهما برزخُ
يلتقيانْ
ينبعُ منه بلا مَنٍّ
ـ لا غَيْضَ ولا فيضَ ـ النهرُ
قلبان إذن يلتقيان الآنْ
كفانِ وعينانِ يصافحُ كلُّهما
كلَّهما الآنْ
جئتِ إلىَّ لينخطفَ وجودي
في لحظاتْ
أنتِ الآنَ وجودي
يرسمُ إصبعُكِ الأصغرُ
كلَّ حدودي
يقلبني عقباً في رأسٍ
رأساً في عقبٍ
شدوُ العينين الحوراوين
المحتويين براءات الأكوان
ها أنتِ الآن إذن جنبي
عندي
إن شئتِ فقولي
ها نحن الآن إذنْ أنتِ
من أولِ سطرٍ يبدأ عمري
من أوَّلِ حرفٍ تبدأُ أسمائي
وهُوياتي ..
ومحوتُ سوادَ الصفحات الأخرى
ملعونٌ كلُّ سوادٍ
كلُّ الصفحات
فالمهديُّ المنتظرُ الآن أمامي
مَنْ كنتُ جلستُ على أعتاب اللذةِ
عمري أنتظرهْ
مَنْ كنتُ أتوقُ إليه لألقاهُ
عقوداً
ها هو ذا قُدَّامي
إني أخلعُ منذ الآنَ
عباءاتِ خطايا تملأُني
أتوضأُ من بسمة ثغرِكِ
هذا الوهَّاجَ
وأخلعُ نعليَّ غريزة جسدي
أتخذُكِ محرابَ صلاةٍ
مذبحَ آلهةٍ
معبدَ بوذا
جامعَ أحمدَ
قدساً نبعتْ منه نبوءاتُ العالم
ونبوءاتٌ لا تذبلُ فحواها
أنتِ الآنَ حبيبهْ
لا .. لستِ حبيبهْ
أنتِ الآن عشيقهْ
لا .. لستِ عشيقهْ
أنتِ قُليبُ الأمِّ .. يجوزْ
أنتِ دلالُ الإبنة .. ممكنْ
أنتِ الشعلةُ من جمرٍ
في عمقِ فؤادٍ
كنتُ دفنتُ الرُّوحَ به
وهواءٌ يُشْهَقُ لا يُزْفَرُ أبدا
قَسَمَاتُ فؤادٍ يتشكَّلُ بين أناملكِ
عَلَقَهْ
وكسوتِ العَلَقَةَ لحماً
من نورٍ ناصعْ
فإذا أنا ـ يا مولاتي ـ أُوْلَدُ
بين يديكِ الآن ولياً
وكراماتي أني الآن جلستُ إليك
مددتُ يدي نحو أناملِكِ الطفلةِ
تهرب مني تحتَ المائدةِ
فأقنصُها
نامت بين الكفِّ أناملُكِ الطفلة
في أولِ يومٍ أولدُ بين يديكِ
ويبزغُ نورُكِ بين يديَّ
إني قد أصبحت وليا !!
* * *
من قبلُ الوحدةُ كانت سري
وسريري وسروري
أرسمُ في أبهاءِ تفرُّدِ نفسي
وجهاً كلُّ ملامحه نورٌ
لا ظلَّ به
لا حَدَّ له
لا شكلَ له
لكنْ وجهٌ !!
أنتظرُ القادمَ هذا
ليدقَّ الباب
فإذا ما دُقَّ البابُ فتحتُ
فتحتُ ذراعيَّ وأركانَ سريري
وغرفتُ اللذةَ
وسفحتُ اللذةَ
مراتٍ مرات
فإذا ما كنتُ أُفيقُ
يُفيقُ الوعيُ وتنقشعُ اللحظة
فلا ما كنتُ ألذُّ به أنتِ
ولا ما كنتُ عشقتُ هواكِ
أنتظرُ ، وأنتظرُ ، وأنتظرُ
حتى استسلمتُ إلى دفةِ يأسٍ
قالت لي :
ما غابَ وتنتظرُ
مجردُ وهمٍ
فتقلَّبْ ما شئتَ وذقْ
نسوانَ الأرض جميعا
لن تدركَ مطلوباً يا رَحَّالُ
وستبقى مصلوباً
فوقَ نهودِ النسوةِ :
بيضاءَ ، وصفراءَ ، وسوداءَ
ـ سوداءُ ؟!
لا .. لم أعشقْ أبداً سوداءَ
فهنَّ غبياتُ المخبرْ !! ـ
حُلمكَ يا رَحَّالُ محال
هل يهبطُ حلمٌ نحو الأرض ؟!
الآنَ هبطتَ
إن شئتَ فقل : الآن صعدتُ إليكَ
مددتَ أناملَ إصبعكَ الأصغرَ
تنشلُ قلبي
من بين قماماتِ النسوان !!
فما أنتِ من النسوة في شيءٍ
إلا اسمُكِ
وشهادةُ ميلادِكِ
ما فوقَ الواقعِ أنتِ
وما فوقَ الصورةِ والأحلامْ
وها أنتِ برفقةِ خطوى
وعلى دربي رَفَّ جناحاكِ
ومعاً تجمعنا أولُ ندوةْ
لا نسمعُ غيرَ وجيبِ القلبين
لا نفهمُ إلا خِدْرَاً هز ثنايا الجسدِ
من لمساتٍ منكِ
أكنتِ تعمدتِ اللمسَ ،
أم انصرفتْ أعضاؤكِ نحوي
في أولِ لمسةِ تطهيرٍ
من دنسٍ
ورداءاتِ سلوكي ؟!!
قالوا : الندوةُ قُضيتْ
فهممنا أن نفعلَ شيئاً
لا أدركُهُ
لم نفعلْ
وهبطنا السُّلَّمَ والناسُ نيامٌ عنا
أو كنا مسحورَين بقمقم أسرارٍ
تُنْسَجُ فحواهاَ الآن
فوق السُّلَّمِ شبَّ حريقٌ في شفتي
ولمحتُ الكوثرَ في شفتيك
فما كان من النارِ
سوى أن تنطفئَ بنهرِ الكوثر
لكنَّ جحيماً آخرَ شبَّ بليلي :
هل يهربُ مني هذا الحُلمُ
وقد عاثتْ شفتي في ثغرٍ غِرٍّ
تحرسُهُ براءاتُ الكونِ جميعا ؟!
يا ويلي لو هربتْ مني جنةُ عمري !
يا ويلي !!!
* * *
كلُّ الأجوبةِ تشقُّ الآنَ
بطونَ الأسئلةِ
بصمةُ كفي تمتزجُ ببصمةِ كفكْ
بصمة ثغري في ثغرِكِ
نفسُ البصمة
الجسدُ تعرَّفَ نفسَهْ
مُذْ أن فَرّقنا التاريخُ البشري الأعمى
مُذْ عدةِ آلافٍ
حتى عاد الجسدُ لذاتهْ
لا غربةَ بين الكفين ،
الثغرين ،
الحضنين
كلٌّ عاد لنصفِ التفاحةِ
واكتملَ بها
كنتِ تقولين بأني ’’ هيروين ‘‘
لا .. أكثرُ جداً
من هذا التخدير القاتلِ
لكني لا أقتُلْ!!
من يقتلُ نفسهْ ؟!
إني أُعْمِلُ فيك مبارد روحي
تُجليكِ من الصدأِ
ـ بلا ذنبٍ كنتِ صدئتِ ـ
قد نقدحُ شرراً ـ لا يحرقْ ـ
حين يشدُّكِ ماضيكِ لأسفلْ
ويشدُّكِ حاضركِ : أنا
نحو الأعلى
لتعودي أبهى جنياتِ الأرضِ
وأنقى حورياتِ الجنة
عقلُكِ هذا .. جوهرتي ،
كنزي
فدعيهِ لأنفثَ فيه ’’ سمومَ ‘‘ الحكمةِ
نيرانَ الرفضِ
وطقسَ السخطِ
على مملكةِ الجهلِ الخانعةِ الأطرافْ
إن كان الجسدانِ يعودان الآن
كياناً أوحدَ
فدعي عقلكِ يُضْحِي جُرْنَاً
للإبليسِ : أنا
أدرسُ فيه القمحَ
وأذروهُ
وأزرعُه
فيملأ هذا الكونَ
غموساً وعدالهْ
صارعَ عقلُك قَلبَكِ ليلهْ
أسبوعاً
شهراً
لا ضيرَ
تُقَاتلُ أنتَ الآن بساحاتي
وبأسلحتي
وتسيرُ ـ أخيراً ـ في دربي
وتزركش ثوبي .. تلبسُهُ
فتعودُ اليومَ أنا
كنا ـ منذ قرونٍ ـ أنتَ أنا ..
قاومْ ما شئتَ بما ننزلُ من أرضٍ
دعني أكتب فيكَ :
( شكراً لهذا الكذب )
ها أنتَ هبطتَ إلى حضني
وصعدتُ إلى حضنٍ جفَّ
وينتظرُ الغرسَ
ها نحن الليلةَ نغرسُ أولَ غرسٍ
سبحان الله !!
ما أمتعَ حورياتِ الجنةِ
حين يحطُّ الأرضىُّ السافلُ مثلي
في معبدها السريِّ الدافئِ
أولَّ بذرهْ
* * *
هذا عهدُكَ أضحي منقوشاً
في مكنونِ النفسِ
وأصبحَ لُبَّ الأسرارِ لدىَّ
أنتَ تقولُ بأنكَ ـ منذ اللحظةِ ـ
بين يديَّ أمانهْ
تاريخُكَ بين يديَّ
كرامةُ أهلكَ بين يديَّ
فهل في العمرِ كراماتٌ لو أنتَ تُهان ؟!
هل في الدنيا أسرارٌ
لو أفشينا
سِرَّ العودةِ للخلقِ الأول ؟!!
كنتِ هنالك في جنبي ضلعاً
ـ أقومَ أضلاعي كنتِ ـ
وكنتِ هنالك في قلبي نبضهْ
ـ أنعمُ وأرقُّ النبضات بقلبي ـ
وكنتِ هنالك في روحي
نفسَ الروح
ولا رُوحَ لدىَّ سواكِ
نُزعتْ مني الروحُ ،
الضلعُ
النبضة
وُتركتُ أهيمُ مع الإعصارِ
أجوبُ شمالَ الأرضِ
وشرق الأرضِ ....
أفتش عنك .. عن بعضي
قد فارقَ بعضي
لا الشمسُ تسدِّدُ خطوى نحوَكِ
لا القمرُ يهدئُ روعي
في غيبتكِ الأولى
حتى التأمَ الشملُ الأولُ
فوقَ جبالِ أراراتٍ
فانشق جليدُ الفُرْقةِ
أزهاراً وثماراً
وتغاريدْ
ثم التأم الشملُ الثاني
في أسيوطْ
والتأمَ الشملُ الثالثُ والرابعُ والعاشرْ
فوق رفيف النيل الرَّحالِ
السائحِ منذ قرونْ
سرنا معه حيث يسيرْ
تتشربُ من عَرَقِ خطانا
تربةُ جَدِّي النيلِ
ونشربُ نحن بأعيننا
من عَرَقِ النيلِ
وهو يحطُّ عصاة الترحالِ
تحت ظلالِ نخيلْ
ذاتَ صباحٍ
ذاتَ أصيلْ
قد تَعِبَ الجدُّ الرَّحالُ
ولم نتعبْ
هل تعبَ الزرزورُ من الشدوِ ؟!
يلتقطُ الحَبَّ الفجريَّ ، ويشدو
يلتقطُ بصيصَ النورِ ، ويشدو
ويجوعُ كثيراً ،
وكثيراً يشدو
ومازلنا كلَّ مساءٍ نشدو
أقصد نرحلْ
نسعى أن نجمعَ أشلاء أوزوريسَ
ومازلنا نجمعُها خِلْسَهْ
فنجيلُ العجزِ يحاصرُ دوماً
نبعَ القوةِ
أسلاكُ القبحِ الشائكةُ
تجرِّحُ أنملةَ الوجدِ
الممدودةَ فينا
إنَّا اليومَ ـ وقبل اليومِ بعشرِ سنينَ ـ
نجوبُ الأرضَ
نفتشُ عن أنفسنا فينا
وكأنَّا نخشى الفُرْقَة
نتوجسُ أن يغرسَ فينا سيفُ الوحدةِ
بعضَ سمومهْ
إنَّا بلقاءاتِ الخلسةِ
نجمعُ أشلاءَ الوطن المتمزقِ
باليأسِ وبالجبروتْ
ونحيكُ القطعةَ في القطعةِ
من أرضِ بلادي
نرمي بذرة عشق للمستقبل والماضي
للنورِ الكامنِ في أنفس كلِّ الناسِ
وإن جهلوهْ
نذود عن الأحلامِ الغارقةِ الصدئةِ
في ليلٍ لا آخرَ له ..
هذا وطني ..
ما كنتُ رأيتُهْ
فأراهُ الآن بعينيكِ
أتشممُهُ
أتلمَّسُهُ
في ثغرِكِ
وبثغركْ
ما أروعَ وطنَكِ يا إيزيسُ
وأنتِ خُطاكِ خُطَاي
نتلقى إلهامَ الأرضِ ، ووشوشةَ الطين ،
وشدو البرسيم
ونحن نجوبُ ،
نحلِّقُ فوقَ جَناحِ قصائدنا ،
نلقيها .. تسعى ..
تلقفُ ما يلقى القومُ الجهلاءُ
من الإفكِ
من الأحقادْ
كم ندوةِ شعرٍ
شاركنا الشدو بها نعقُ الغربانِ ،
ونهيقُ حمير القريةِ ،
نغمشةُ عيالِ القريةِ
قد جلسوا ملتفين
ما أنتِ الآن امرأةٌ للصالون
بل أنتِ الوطنُ المكنونْ
المحزونْ
الناهضُ من تحت الأطلال
ترانيماً
ولحون !!
* * *
فلمن هذا القلبُ ترقُّ جوانبُهُ وحواشيهْ
ولمن يسجدُ سبعةَ أوقاتٍ في اليومِ
يحجُ ويعتمرُ جميعَ الأشهرِ والساعاتِ
يصومُ الدهرَ جميعاً بلياليهْ
عن النطقِ سوى باسمِكَ
وصفاتِكَ ، ما تُبدي منها ، ماتخفيهْ
وينبتُ منهُ الزغبُ الأخضرُ
عُشاً ، وحدَكَ ـ وحدَكَ والله !! ـ
تسكنُ فيهْ ؟!
فإذا ما أنتَ نزعتكَ مني
ـ جسداً ـ
نَبَّتَ بالقلب جناحان
وَرَفَّ وطارَ يظلِّلُ خطوَكَ
من شمسٍ ، من مطرٍ أو رعدٍ
أو برقٍ
أو عين تقتحمُ الظلَّ وتجرحُهُ
وأنتَ تسير عليه !
سَلْ نفسَكَ ـ يا مولاي ـ وأنتَ تنامُ
ألم تلمحْ شجرةَ موسيقى
نبتتْ فوقَ الشَّعر الوسنان
تبثُّ عبيراً وتغنيهْ ؟!
في الصيف أما شَمَّتْ عيناكَ النائمتان
وشافتْ أذناكَ الطيبتان
وأدرك خداكَ الناريان ،
نسيماً يصحبُكَ طوال الليلِ
ويشربُ من ثغرِكَ أو يرويهْ ؟!
ذاك ـ أصارحك الآن ـ
ذلك كنت أنا !!
فاسمحْ لي ـ أو لا تسمحْ !! ـ
وأنا المطرودُ .. أعودْ
وبدونِ جوازاتٍ أو تصريحٍ
وبدون قيودْ
أأ ذنتَ لأدخلَ وأرشَّ شجيراتِ
حديقتنا
بالنور القدسي الموعود ؟!
لا لم تأذنْ !!
وأنا ـ مثلك ـ لم أسعَ إليكَ
فهل يوماً منكَ خرجتُ
وعنك ثواني أدبرتُ
أو أنك مني كنتَ ذهبتَ
وعني غَرُبَتْ شمسُك أو غبتَ ؟!
فافعل ما شئت ، أو اطرد من شئتَ :
هيامي ، ووجيبي ، والأحلامْ
فأنتَ مقريِّ الأبديُّ الدائمُ
وأنا مأواك المنتظرُك
طرتَ بعيداً ، وكثيراً
والآن هنا
فوق الجفنين ككلِّ الأيامْ
فوق الجفنين .. تنام !!
* * *
2.30 صباح الثلاثاء 26/2/2008
ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ
· في الشعر :
- فصل من التاريخ الخاص ( ديوان ) .. هيئة الكتاب 1989 .
- اليوم العاشر ( ملحمة ) .. هيئة الكتاب 1993 .
- اليوم العاشر ( طبعة ثانية ) مكتبة الأسرة 2001 .
- الميلاد غداً ( ديوان ) .. هيئة قصور الثقافة 1996 .
- مذكرات فلاح ( ديوان ) .. هيئة الكتاب 1999 .
- وهج ( ديوان ) .. مكتبة الأسرة 2000 .
· في المســرح :
- بنات للبيع .......... هيئة الكتاب 2002 0
- أبطال قهوة جداليا .......... هيئة الكتاب 2005 0
- سارة و أخواتها ... نصوص مسرحية .. هيئة قصور الثقافة 2005 0
- آنسات نادي القمر ومسرحيات أخرى .......... كتاب الجمهورية .. إبريل 2008 0
· في الــدراسات :
- مع الضاحكين ......................مكتب أوزوريس 1995 .
- مع الضاحكين ............( طبعة ثانية ) مكتبة الأسرة 2002 .
- ديوان القاهرة .........صندوق التنمية الثقافية و هيئة الكتاب 1998
- المغترب ...................هيئة الكتاب 2000 .
- الإبداع الجديد و قضايا المجتمع .............هيئة الكتاب 2002 .
- حديث النساء ................. كتاب الجمهورية 2005 .
- قراء القرآن و نوادرهم ............دار نفرو 2006 .
- حسن نصر الله ... بطل قومي في زمن الأقزام ....دار نفرو 2006
و له تحت الطبع
- بيننا شيء ما ( ديوان ) .
- المطرود منك .. آب إليك ( سيرة شعرية ) .
- الأغا .. سيرة ذاتية محرفة .
- السيادة اللغوية 0
- عولمة وعوالم .. ومسرحيات أخرى 0
المؤلف : حزين عمر
الناشر : هيئة الكتاب 2009